اطلعت مؤخرا على المقال التحليلى الذى كتبه السيد كامل المهدى تحت عنوان الجدل الكبير حول النفط بين الحكومة الاتحادية و اقليم كردستان و نشرته مجلة الحوار في العدد الخامس عشر /حزيران 2008، ولمست منه روحا ايجابية تواقة الى انهاء الجدل لصالح التوافق بين الاطراف، وهي الروح التى نفتقدها في كثيرين ممن يتناولون طبيعة الخلافات او الاختلافات التى يدور الجدل حولها بين اقليم كردستان و الحكومة الاتحادية، ولكنه لم يتخلص كليا من الدافع الذاتى الذي اظن انه كان سببا لتحيزه الى تفسير مواد الدستور الخاصة بقضية النفط و الغاز بشكل يحقق التأصيل الدستوري لاتجاه الحكومة الاتحادية السلبي المعوق ضد العقود و الاتفاقيات النفطية التى ابرمتها حكومة اقليم كردستان، ولو كان قد تخلص من الرغبة الشخصية المسبقة التى تحول دون النظر الموضوعي الهادف ماكان ليقع في مغالطات لغوية، وتحليلات لا تستند الى النصوص و لا الى مقاصدها.
ولنسهم معه في هذا الجدل بتصحيح ما استند اليه، وببيان الآسس الفكرية المعتمدة في فهم النص العربي لا سيما النص القانوني:
1-يقول السيد الكاتب في مقدمة مقاله : ان المواد الدستورية الخاصة بالنفط والغاز هي مواد غامضة، وتفسح المجال لتفسيرات متباينة.
أقول: هذا الكلام غير دقيق، بل هو غير صحيح فقد اكد فقهاء القانون وكذلك فقهاء علم اصول الفقه ان اهم سبب لغموض النص هو وجود الالفاظ المشتركة ذات المعاني المتعددة، وان القارئ المتدبر المنصف لهذه المواد لا يجد اي غموض او شك في معاني الكلمات المستعملة في النص بالاستعانة بحكمة النص ومقاصده، وقد استقصيت العوامل التي تضفي على النصوص القانونية قدراً مقصوداً او غير مقصود من الغموض، وهي مبينة في مراجع الفكر القانوني وعلم اصول الفقه، فلم اجد اي عامل منها قد ادى الى غموض المواد الدستورية.
والحق ان غموض هذه المواد بنظر الكاتب الفاضل ومروجي تقليص صلاحيات الاقاليم سببه هو ان هذه المواد بنصوصها الواضحات لا تخدم هذا الهدف.
والمثال الذي ساقه الكاتب الفاضل لغموض هذه المواد يعكس حاجته الى قراءة أعمق للغة العربية، حينئذ يتبين له ان هذه المادة 112 من الدستور ليست غامضة؛ فلا يصح ان تكون (المنتجة) صفة للاقاليم والمحافظات معاً كما يقول، ولو كان الامر كذلك لجاءت الصفة بالتثنية اي (المنتجتين) لانه من الثابت في النحو العربي ان الصفة تتبع الموصوف فأذا كان الموصوف مثنى تأتي الصفة كذلك، ثم من الواضح ان المشرع الدستوري منح الاقاليم امتيازات عديدة منها انها لها الحق في المشاركة مع الحكومة الاتحادية في العمليات النفطية وان لم تكن منتجة.
2-اقدر رأي الكاتب الفاضل من ان حل العقد الخلافية لايمكن ان يتم الا بالتوافق بين الاطراف. والحق ان الحل الذي اقترحه عن طريق اعادة النظر في مشروع قانون النفط الاتحادي وفصله في المقال يقرب المسافة الفاصلة بين الطرفين، وهذه الفكرة ليست خيالية مادمنا جميعا نعمل لصالح رفاهية شعب واحد هو الشعب العراقي والنفط هو ملك العراقيين تصرفت فيه حكومات الاقاليم ام حكومة بغداد؟؟ فالخراج يعود الى بغداد اولا واخيراً.
اما البدائل الاخرى التي تحدث عنها الكاتب فهي موضع نظر، فسوف لايجدي اللجوء الى تعديل مواد الدستور المتعلقة بالنفط والغاز حسب المادة (142) لسببين اولهما، انه لايحظى بموافقة اقليم كوردستان ذي المحافظات الثلاث التي لها حق النقض. وثانيهما، ان اي تعديل ينتقص من صلاحيات الاقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية لا يكون دستورياً الا اذا وافق عليه الاقليم المعني المادة (126) فقرة رابعاً، كما ان اللجوء الى المحكمة العليا لا يتم الا في حالات النصوص الغامضة التي لا مجال لتحديد المراد فيها.
3- يقول السيد الكاتب في معرض تعليقه على السياسة النفطية لاقليم كوردستان و لقد اخطأت –اى حكومة الاقليم عند ماتصرفت و كأنها تملك حقيقة تفسير الدستور و اهملت الرأى الاخر.
اقول لفهم النص العربي و غير العربي قواعد معروفة وصف بعضها بالقاعدة الذهبية عند فقهاء الشريعة الانكلو امريكية و كذلك عند فقهاء، الشريعة الاسلامية و هي ان الاصل هو التقيد بالمعنى العادي لمفردات النص مالم يؤد الى التناقض او التنافر، و الاصل حمل الكلام على الحقيقة، ومعلوم ان الدستور كتب لتلتزم به الحكومة و الشعب و الناس جميعا، ولم يكتب بلغة الطلسمات و الالغاز، و لوكان الالتزام بالدستور معلقا على تفسير رسمي او قضائي لنصوصه لتعطل الدستور، ولاعتذر الناس من تطبيقة. اما قضية اختصاص المحكمة الاتحادية العليا بتفسير النصوص فاَمر يثار في حالات وجود اختلاف مبرر في تفسير النص الدستورى في المواد الدستورية الخاصة بالنفط و الغاز، ولكن المشكلة الحقيقية التى ازعجت خبراء النفط في مذكرتهم المؤرخة 18/10/2005 هي ان ما يريده النص الدستوري و يرسمه بوضوح لايحقق رغباتهم في جعل النفط و الغاز من الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية. ويبدو و انه يصعب ان تكون لاقليم كوردستان او للاقاليم التى تتكون مستقبلا رأي في ادرة النفط و الغاز.
و الحقيقة ان اهم تجليات التغيير في العراق الجديد هو هذه الثقة التى جسدها الدستور بالشعب العراقي، حيث ستعود ملكية النفط و الغاز الى كل الشعب في كل الاقاليم وتتجسد هذه الملكية و حقوقها في حق الاقاليم بالمشاركة الكاملة مع الحكومة الاتحادية في تطوير العمليات النفطية، وبالعمل المستقل في الحقول الجديدة على ان تعود الواردات الى الخزانة العامة تحقيقا للشراكة العامة في مجموع واردات النفط. وقبول التغيير الجذري ليس بامر سهل عند المتشبثين بالعلاقات القديمة.
4- لقد وقع الكاتب في غلط لغوي اخر ادى الى فهم خاطىء للمادة الدستورية 111 حيث اعتبر شبهة الجملة( في كل الاقاليم و المحافظات تأكيدا للجملة التي قبلها و هي النفط و الغاز هما ملك كل الشعب العراقي). و معنى أنه تأكيد هو انه لايضيف معنى جديدا الى الجملة السابقة، و ادعى الكاتب ان الذي يعرف اللغة العربية جيدا يفهم ذلك وقد نسى الكاتب الفاضل القاعدة البلاغية اللغوية التى تقول: التاسيس مقدم على التأكيد اى لايحمل الكلام على التأكيد الا اذا لم يحتمل اى معنى جديد.
و من الواضح ان المشرع الدستوري يريد ان يوزع هذه الثورة المهمة و السلطة عليها بين كل الشعب العراقي في كل الاقاليم و المحافظات، دون ان تقتصر السلطة على المركز او الحكومة الاتحادية التى قد يمثل نحو تركيز هذه السلطة لصالح اقليم او محافظة دون اخر او اخرى فكل الاقاليم له معنى اخر غير مايعنيه كل الشعب العراقي.
والدليل على ذلك هو المادة 112 بفقرتيها اولا، و ثانيا، حيث جعلت دور الاقاليم حاضرا في كل ادارة النفط و الغاز، بل اشارت في اولا الى امكانية استقلال حكومات الاقاليم بادارة النفط و الغاز المستخرج من الحقول المستقبلية فالمعنى الظاهر للمادة 111 هو ان النفط و الغاز هو ملك كل جزء من العراق، لا ملك الشخصية المعنوية التى نسميها الدولة او الحكومة لهذا لاتتفرد الحكومة الاتحادية بادارة هذه المادة الخطيرة بل تشاركها الاقاليم لتحقق ملكية الشعب العراقي بكل اجزائه لهذه المادة، فالحكومة الاتحادية رغم خطورة و اهمية موقعها السياسى واختصاصاتها الحساسة فهى تمثل بعضا من الدولة لا كلها و الكل هو الحكومة الاتحادية و حكومات الاقاليم و المحافظات.
و مما هو شائع بين اللغويين ان الكل اذا اضيف الى المعرف فيعنى عموم الاجزاء لذلك قالوا: كل الرمان اكلته صحيح اما كل رمان اكلته فغير صحيح.
5- مرة اخرى في ص14 من المقال المذكور يكرر الكاتب الفاضل خطأه في اعتبار المنتجة صفة للاقاليم و المحافظات ليتوصل بذلك الى ابعاد اقليم كوردستان من الاقاليم التى لها الحق في المعية المطلوبة لادارة النفط و الغاز؛ بحجة انه لايجوز ان يستوى المنتجون مع غير المنتجين حتى ولو كانوا من الاقاليم ناسيا او متناسيا ان النظام العراقي فدرالي و ان الاقليم الفدرالي شانه شان الحكومة الاتحادية في الاختصاصات التى نص الدستور على انها تمارس بالمشاركة كما هي الحال في ادارة النفط و الغاز اما اشتراط الانتاج للمحافظات فلانها اقل استقلا لا وحجما، و دورها يقتصرعلى اللامركزية الادارية، ومع ذلك فلا اجتهاد في مورد النص، فاذا كان النص اشترط الانتاج للمحافظات و لم يشرط للاقاليم فان المجتهد الفاضل لا يمكنه الالتواء حول النص لمجرد الميل الشخصي الى ذلك.
6-يحشد الكاتب الفاضل امكانياته الذهنية و اللغوية للتعمق في مدلولات المعية المنصوص عليها في المادة 112 التي تعنى المصاحبة و الملازمة ليحولها الى مجرد تشاور او تعاون او تنسيق جانبي، وبذلك يبرىء الحكومة الاتحادية من مخالفتها المنتهكة لهذه المادة الدستورية بمجرد تشاور مع الاقليم فيقول بذلك تكون الحكومة الاتحادية ملتزمة بالدستور ان هي نسقت او تعاونت او تشاورت مع الاقاليم و المحافظات المنتجة.
وقد اسس كل هذه الافكار على ان (مع حرف عطف) و هو لا يستقيم معناه الا اذا تم تقدير الكلمة المستترة قبله كان يقال بالاشتراك مع او بالتنسيق مع او بالتشاور مع او بالتوافق و غير ذلك.
و الحقيقة اللغوية الثابتة ان كلمة مع ليست بحرف عطف بل هى ظرف ويتعلق في المادة 112 بكلمة تقوم و المادة هي: اولا، تقوم الحكومة الاتحادية بادارة النفط و الغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم و المحافظات المنتجة... فلا تحتاج كلمة مع هنا الى تقدير محذوف. و معنى النص على هذا هو ان الحكومة الاتحادية تدير النفط و الغاز لا بمفردها بلبمصاحبةو معية حكومات الاقاليم، و المعية تختلف عن التنسيق و التعاون و تتفق مع المشاركة الحقيقية في الادارة. صحيح ان كلمة مع قد تحتاج في بعض الاحيان الى تقدير محذوف اذا لم يسبقها فعل. وهنا لا نحتاج اليه –ان الله معنا- اى كائن معنا، موجود معنا والمحذوف دائما او على الاغلب هو فعل الكينونة.
فلاحاجة بنا اذن الى مناقشة النتائج التى توصل اليها الكاتب الفاضل مادام قد اصلها على مقدمات غير صحيحة، و من قواعد المنطق ان النتيجة السلمية هى التى تكون مقدماتها سليمة اى صادقة.
7-أويد ماتفضل به الكاتب الفاضل من ان من الواضح انه لايحق للاقليم او المحافظة الانفراد بالقرارات النفطية بمعزل عن الحكومة الاتحادية ولايحق للحكومة الاتحادية اصدار القرارات بدون التنسيق او المشاركة مع الجهات المعينة الاخرى. ولكنى اقصر هذا الحكم على الحقول الحالية.
ولكن الغريب هو ان الكاتب الفاضل يفقد حياده حين يتهم سياسة الاقليم بالسياسة غير الدستورية ولايتهم السياسة النفطية لوزارة النفط الاتحادية بالسياسة غير الدستورية مع ان الطرفين قد اخلا بالتوازن في القرارات النفطية، فهل قامت السياسة النفطية الحالية لوزارة النفط الاتحادية على المشاركة في الاداء او حتى التنسيق و التعاون؟؟ اى مع الاقليم و المحافظات.
8-مع ان الكاتب الفاضل جند جهوده العلمية الواسعة لتعزيز موقف الحكومة الاتحادية واضعاف الموقف الدستورى لحكومة اقليم كوردستان و لدور الاقاليم و المحافظات عامة فقد ادرك ان الحل المناسب لهذه المضلة –كمايقول- هو فتح الحوار للاتفاق على حل ما.
اما البدائل التى عرضها في حال تعذر التوصل الى حل يرضى الطرفين فهى تصورات لا تحقق شيا سوى البديل الرابع الذى يعني العودة الى الحوار و البحث عن اسس جديدة تنسجم مع طبيعة النظام الاتحادي و خصوصية اقليم كوردستان ولا تؤدي الى التفرد و الاستيشار بهذه المادة التى هى عصب حياة العراقيين، و التاكيد على ان تعود خيراتها الى كل العراقيين دون تميز بين المناطق المنتجة و المناطق غير المنتجة الا بالقدر الذي يعوض ماتخسره من عناصر البيئة السليمة.
د.محمد شريف
عضو مجلس النواب العراقي
عن كتلة التحالف الكردستاني


















