فرياد رواندزي
* أثمرت زيارة رئيس أقليم كردستان الى بغداد والأجتماعات الصريحة والمتعاقبة بين أحزاب الأتفاق الرباعي من جانب والخماسي من جانب آخر الى تشكيل خمس لجان رئيسية لحل المشاكل الموجودة بين الحكومة الإتحادية وحكومة الأقليم والمشاكل المتعلقة بمفهوم ومساحة الشراكة واتخاذ القرارات ورسم سياسات الدولة والحكومة، فضلا عن مسألة المناطق المتنازع عليها.
* لم تعد أمام هذه اللجان إلا سنة ونيف من الوقت لتشخيص المشاكل ووضع الحلول لها، وهي فترة قليلة جداً بالقياس الى عظم المشاكل وتنوعها، وهي مشاكل تواجه عادة الأنظمة التي تتشكل منها دولة جديدة بعد انهيار الدولة والحكومة ومؤسساتهما القديمة. يقول (بيير ترودو) وهو من أكبر زعماء كندا المعروفين ويُعد أب كندا الحديثة وهي دولة فيدرالية نتشارك معها في شيء من التشابه : “إنه من المهم تشخيص المشاكل وإيجاد الحلول لها، ولكن الأهم تشخيص المعوقات والمشاكل غير المنظورة التي تظهر فيما بعد اثناء العمل وعدم الوقوف عندها بل تجاوزها بأيجاد حلول آنية وسريعة لها، كي لا تتحول هي الى مشكلة ونتخلف عن المشلكة الأصلية التي هي الأم والأصل”.
* (بيير ترودو) لم يقل هذا الكلام جزافا، بل التجربة علمته كيف إن مشكلة واحدة تحوي في طياتها مشاكل أخرى كثيرة. المشاكل بين حكومة الأقليم والحكومة الاتحادية وبين الأطراف السياسية للحكومة الاتحادية لها عناوين رئيسية، لكن تحت كل عنوان رئيسي هناك عدد كبير من عناوين فرعية تشكل مشاكل متداخلة تحت يافطة المشكلة الرئيسية.
* أللجان الخمس أمامها وقت ضيق، ولكنها تتمكن من حل بعض المشاكل بصورة نهائية، لاسيما مسألة البيشمركه وحرس الأقليم، وميزانية أقليم كردستان، أذ من الممكن الاستفادة من الوقت المتبقي لعمر الحكومة الحالية وحل هاتين المشكلتين بشكل نهائي قبل حلول موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، أذ ليس صعباً وضع معايير ومقاييس وفقاً للدستور وإجراءات مشتركة للإنتهاء من (عقدة) البيشمركه وحرس الأقليم، أما فيما يتعلق بميزانية الأقليم، فلا أعتقد ان حلها يكمن في التنصل عن الاتفاق السياسي حول النسبة المخصصة للأقليم، بل إن الحل يكمن في الأحصاء والتعداد السكاني وعندئذ لا أحد يجادل بشأن عدد سكان الأقليم واستحقاق الموازنة حسب النفوس والمعايير الدستورية.
* مشكلة المناطق المتنازع عليها، قد لا تنتهي مع انتهاء عمر هذه الحكومة، لأن هذه المشكلة لها تعقيدات بحيث بسطت ظلالها على جوانب كبيرة ومتداخلة من الناحية السياسية والإجتماعية، لكن اللجنة التي ستختص بهذه المشكلة يجب أن يمتلك أعضاؤها نفساً طويلاً وصبراً لا يقل عن (صبر أيوب)، وعملاً دؤوباً يماثل عمل (النملة أو النحلة)، لكن الوقوف عندها مكتوفي الأيدي ودون التطرق الى حلول عملية سوف يحول هذه المشكلة الى قنبلة (اجتماعية - سياسية) قد تنفجر في أية لحظة وفي غفلة من غياب الوعي السياسي أو الوعي الأمني لدى الأطراف المتنازعة.
* إن عمل هذه اللجان يجب أن يخرج من قوقعة وشرنقة الأهمال والتسويف والتأجيل، يجب أن لا يقتنص أي طرف الفرصة على حساب أي طرف آخر للاستقواء بالسلطة أو اللجوء الى القوة العسكرية أو البيشمركه لوضع الحلول لها، بل يجب الاستقواء بمنهج على غرار منهج (بيير ترودو) لحل الإشكاليات الموجودة، وهي إشكاليات قد لا تعد مستحيلة، لكن بعضها صعبةوبعضها تدخل في خانة المشاكل التي يمتلك بعضها حلولا ضمنية وبعضها حلولا تستوجب العمل الميداني وإرادة الحل، لا إرادة التأجيل.
* ليس أمام اللجان الخمس مزيد من الوقت، ولكن أمامها مزيدا من المشاكل والملفات، هذه اللجان تحتاج الى غرف عمليات وأدوات تبحث عن حلول، لا أدوات تبحث عن “المجالس الاجتماعية” و “المجاملات السياسية”. أمام هذه اللجان استحقاقات خطيرة ومصيرية يجب انجازها ضمن سقوف زمنية محددة، لاسيما إن إنجاز هذه الاستحقاقات ترسم طريقاً مفتوحاً لحلول وطنية لمشاكل آخرى الجميع بأنتظار إيجاد حلول لها، مثلما الجميع ينظر الى السنة المتبقية – بأنها الحاسم لرسم خارطة الطريق لمستقبل القوى التي تتعاطى مع هذه الملفات والملفات الأخرى التي ستكون فوق منضدة اللجان الخمس ومنضدة القوى السياسية الأخرى .


















